المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جلجامش رؤيا جديدة للاسطورة السومرية


MARIA
09-18-2007, 10:35 PM
[LEFT][/LEFT
السلام عليكم ورمضان كريم ومبارك ع الجميع

جلجامش .. رؤيا جديدة للأسطورة السومرية


بحث علمي في تفاصيل الأسطورة الرافدية





الشعب الذي بحث عن المعرفة وخط أبجدية العلوم ومنح الإنسان حق الابتكار

عندما تنظر إلى القمر ذات ليلة اشتد فيها ظلام حالك يخبرك شعاع العين عن وجود كرة مضيئة بعيدة جدا، قيل فيها من الشعر والغزل والبحث الكثير، ولكنها تبقى كرة مضيئة حتى لو وصفها علي بن أبى طالب بالصخور الجلاتينية والرمال الكلسية وحتى لو أطلعت على تقارير الأبحاث الفضائية وأنت تتجول في أكبر تجمع لغزو الفضاء، تبقى تلك الكرة القمرية مضيئة ، وإذا غيرت اتجاهات المعادلة العلمية وركبت خيالا متقدا بالوعي والإحساس نحو بدايات التاريخ المعرفي والحضاري ستقودك تلك المركبات الحسية غير المرئية إلى محطة مأهولة وتتوقف قسرا عند بوابات أولى الحضارة الرافدية ، ستجد سومر، هي أيضا كرة مضيئة أكبر من حجم القمر والأرض وتفرعاتها المذهلة والجميلة توازي الكواكب والمجرات، وإذا قررت أن تكتشف ذاك الكوكب المأهول وتتحرك أقدامك فوق تراب تلك الأرض المقدسة العراقية الجنوبية، ستقرأ فوق رقائق الطين والقصب والبردي علامات دالة لا يختلف اثنان من سكان هذا العالم الجديد، على أن هناك في"أوروك" ازدهرت أول حضارة اهتدى إلى مفرداتها الإنسان السومري، وكانت جذورها تستند إلى حقبات قديمة امتدت حلقاتها المتداخلة إلى عمق ما قبل التاريخ ودامت بشكل متواصل أحيانا أو متباعد في فترات لاحقة حتى اقتربت من حافات العهد المسيحي، في "مدائن سومر" كان العقل البشري يجتاز مجرات الخوف ويواصل العمل بثبات لاختراع أول نظام حقيقي للكتابة حتى إذا تطور وارتقى أحدث ثورة في الاتصالات غير بعيدة الشبه عن الثورة التي أحدثتها الاختراعات الإلكترونية في العصر الحاضر، إذ ترتب عليها آثار بعيدة المدى، تلك الظواهر التي حصلت في سلم الحضارة السومرية لم تكن ملحوظة ولامتوقعة ساعد حدوثها في تقدم الإنسان اقتصاديا وعلميا وثقافيا، لقد انتشرت أفكار السومريين وتقنياتهم واختراعاتهم شرقا وغربا فتركوا بصماتهم على جميع الثقافات القديمة، لابل على ثقافتنا الحاضرة إلى حد ما..

جذور الثقافة السومرية

يرى الباحث في علوم الحضارات في علوم الحضارات القديمة "James Mellaart": "أن جذور الثقافة السومرية، أو تلك الأسس التي كانت تشكل القواعد والأعمدة القوية لتلك الحضارة الباهرة والتي ولدت في الألف الرابع قبل الميلاد وتمثلت ببناء حضارة سومرية جديدة على أنقاض حضارة "تل العبيد" والتي انطفأت مراكزها الواحد أثر الآخر بتأثير الضغط الجديد، ويبدو أن الثقافة السومرية التي ازدهرت فيما بعد هي امتداد لتلك البدايات الحضارية والثقافية التي تبلورت بواكيرها في حضارة تل العبيد. إن وجود ظواهر أخرى تم تحديدها والإشارة إليها ضمن معطيات التحولات التي رافقت حضارة تل العبيد تجسدت في ظاهرة الاستقرار في الأرض وأيضا بناء المستوطنات الدائمة ذات الشكل البدائي، ثم الإشارة الأولى التي سجلت هوامش البحث عن المعرفة والتجريب العلمي ممثلا في الاكتشافات البدائية والمهمة جدا مثل التأسيس لعلم الزراعة والبداية في تنظيم الإنتاج وتعدد أنواع الغذاء إلى جانب تدجين الحيوانات وامتلاك قطعان الماشية ومغادرة الكهوف والبداية الفعلية في إنشاء التجمعات السكنية الهادفة إلى الاستقرار فوق أراضي السهول الزراعية ذات الأرض الخصبة والتي
تتوفر لها المياه وأيضا كما يسجل في تلك المرحلة الاهتداء إلى أسلوب التصنيف للبذور ، والبداية بزراعتها بعد أن أنفق أسلاف الإنسان السومري السنوات الطويلة في تجارب قاسية متواصلة لجمع تلك الحبوب وتصنيفها والبداية في وضع الجداول الزمنية لزراعتها حسب المواسم الطقسية المتغيرة، تلك المفردات شكلت ظهور الشكل الحضاري الجديد وعملت على تدعيمه بأهم الاختراعات آنذاك كما عملت على طي صفحة التخلف المتمثلة في مرحلة الصيد البدائي وحياة الكهوف ودشنت مرحلة الزراعة والاستقرار وأعلنت بداية تشكل الجانب المعرفي والاقتصادي وتأسيس القاعدة الحضارية ذات الأبعاد المختلفة، أن أكثر الدلائل وأهمها عقلانية تشير حتى هذا الوقت إلى حقيقة جوهرية تفيد بأن تلك التحولات التي رافقت بداية الحضارة السومرية هي التي شكلت القاعدة القوية لتأسيس حضارتنا الحالية .

تشكيل الظاهرة البيئية

فرضت العوامل الجديدة التي رافقت فضاء التشكيل الحضاري الجديد حالة من التأقلم والتلائم مع عوامل الطبيعة القاسية وبقية المظاهر الأخرى السابقة، تلك العوامل مجتمعة أدت إلى تحول كبير وهام جدا تمثل في ظهور المدن والتأسيس للظاهرة البيئية في إطارها الأول ، ووضع العلامة الأولى أيضا للمدنية البشرية ، الأمر الذي قاد بشكل حاسم إلى تبلور التكوينات الاجتماعية والدينية والسياسية والتشريع ، وكذلك اعتماد الطقوس وابتداع الأساطير ، وصولا إلى أهم أخترع سجلته تلك الحضارة للبشرية ، وهو اكتشاف علم الكتابة ، ذلك الإنجاز الذي أحدث انقلابا جذريا في كل أشكال الحضارة اللاحقة ، وأدى أيضا إلى تطور واضح في مفردات الحياة بشكل عام ، يرى عالم السومريات" S. N . Kramer ": أخترع السومريون كل العناصر الأولى التي قامت عليها حضارة الإنسان المكتوبة وإلى جانب الكتابة السومرية وهي أول كتابة في تأريخ البشرية، قدم السومريون أيضا اختراعات واكتشافات أكثر أهمية مثل العجلة والمحراث الزراعي وأوجدوا النظام العشري وكذلك قسموا محيط الدائرة إلى (360 درجة) والسنة إلى (365) ووضعوا أسس الرياضيات ومبادئ الهندسة ورصدوا الأفلاك والمجرات والنجوم وبنوا المعابد وأسسوا نظم الحكم والإدارة ووضعوا صياغة للشرائع الدينية والدنيوية في القانون وتنظيم أمور الحياة . هذا الرأي يدحض جميع الآراء التي تثار حاليا في تلك المؤلفات والأبحاث الموضوعة لهدف رخيص وغير أخلاقي، تحاول تلك الأقلام عبثا المساس بالحضارة السومرية، يتناسى أولئك المدفوعون إلى هدف مشبوه الحقائق الجوهرية التي هي أصلا لا تقبل الجدل أو التزييف أن تلك المحاولات المشلولة التي انطلقت من بعض الباحثين العرب والأجانب في إسناد تلك المنجزات الحضارية إلى أقوام أو بقاع مجاورة لبلاد النهرين وربط الحضارة السومرية إليها بصفة تابع، تظل عقيمة لا تحمل في طياتها سر القوة أو الديمومة، بل هي مذمومة واهية تحركها عقدة التناقض السياسي ، أو الجغرافي ولن تجلب لأصحابها غير العار والاحتقار ، لنتوقف مرة أخرى عند رأي آخر للباحث في علوم الحضارات القديمة "James Mellaart" الذي يقول في كتابه الموسوم "E arliest Civilization Of The Near East" : "في سومر وضمن حوض وادي الرافدين باشر الإنسان صنع الحضارة على قواعد أعمدة قوية يغمرها نور المعرفة والعلم، وكان ظهور الشكل الأول للتكوينات المدنية قد تم في سومر بوادي الرافدين ثم انتقل ذاك الإنجاز الحضاري إلى مصر وشرق الهند ثم إلى بقاع أخرى من العالم " .


التأثيرات الحضارية السومرية

إن الحلقات الحضارية التي تعاقبت في وادي الرافدين والتي امتدت بين شواطئ " الدجلة والفرات " وفي مناطق السهل الرسوبي الأخرى وتحديدا الوسطى والجنوبية منها والتي تمثلت في ظهور حضارة "تل حسونة" و "تل سمارة" و "تل حلفا" تلك الحضارات نشأت على ضفاف سومر وفعلها الحضاري المتقدم والمثير وحولها نشأ عدد آخر من المواقع المتأثرة بها، كان التقليد للحضارة السومرية يحاكي كل مفاصل التطور الحضاري والمعرفي يرى الباحث والعالم "Joseph Campbell " التكوين الجغرافي لبقعة الحضارة الأولى على النحو التالي: "أن الأرض الممتدة بين كثبان الرمال الصحراوية وحافات جبال زغروس، هي تلك الأرض الخصبة والتي تشكل وادي الرافدين. لقد اتفقت الكثير من الدراسات الأيكولوجية ذات المنهج العلمي الذي اعتمد على توثيق الاكتشافات الأثرية من خلال جهود العديد من البعثات التي عملت في مجال التنقيب في القرن الثامن عشر وما تلاه من الزمن الماضي ، وقدمت نتاج أبحاثها مقرونا الأدلة والبراهين القاطعة للشك" إن التأثيرات الحضارية السومرية واضحة المعالم في العديد من الحضارات اللاحقة والتي ظهرت في البقاع المجاورة، فهي مثلا المحرض الأساسي للنهضة المدينية الأولى التي نشأت مع بداية عصر الأسرات في مصر عام (2800 ق.م) بعد ذلك انطلقت نحو كريت غربا والهند شرقا ثم الصين وأخيرا عبرت المحيط الهادي . إن البحث في مفردات تلك الحضارة يجعلنا أمام حالة انبهار كبير لا تقل عن تلك الحالة التي ترافق المنجزات العلمية والحضارية التي يسجلها الإنسان المعاصر . إن ارتفاع بناء المعابد وتلك الطقوس التي يديرها بقواعد صارمة تقترب من السموّ كهنة صارمين متفرعين من شجرة الآلهة وتلك الأشكال المعمارية المتطورة الطراز ذات النقوش الجدارية والمحروسة بتماثيل ترمز إلى القوة، تلك المدنية الباهرة شكلت بمفرداتها الحضارية ذات الآفاق المفتوحة بؤرة الإشعاع الأولى لحضارة الكون . وهكذا نجد أن وجهات نظر الكثير من العلماء والباحثين متفقة على تضمين إنجازاتهم العلمية المتعلقة بالحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين أفكارا متقاربة تشير إلى أن الحضارة الكونية شجرة سومرية ذات أصل واحد وفروع متعددة ، يرى الباحث العالم "S.N. Kramer" في كتابه "Dumuzi And Inanna": جميع إنجازات البشرية تستمد جذورها من بلاد ما بين النهرين، حيث تم البحث في الميثولوجيا البابلية عن منابع الدين المصري واليهودية والمسيحي .

الموضوع يتبع

MARIA
09-18-2007, 10:37 PM
قلعة الحضارة والمعرفة

بلاد سومر هي تلك الأرض التي توسعت وصارت تمتد من بغداد شمالا حتى حافات الخليج جنوبا وتكونت تلك الأرض على مر العصور من الطمي المتواصل في النهرين الدجلة والفرات، وبسبب الطقس الحار والجاف ظلت تلك السهول جرداء واقعة دوما تحت تأثير هبوب الرياح الصحراوية القاسية، وهكذا ظلت ردحا من الزمن قاحلة يندر فيها الزرع ، إلا أن الإنسان السومري القديم أكتشف سرّ تلك الأرض وعمد إلى شق الجداول والسواقي والقنوات وأقام بذلك نظاما للري أحيا به الأرض فتحولت تلك السهول الجرداء تقريبا إلى أرض خصبة صالحة للإنتاج الزراعي، وعلى مدى الحقب الزمنية المتتابعة تغير كل شيء وصارت تلك الأرض توصف بـ "جنة عدن" كما ورد في أسفار العهد القديم، ترى الباحثة البولونية "كريستينا غافليكوفسكا" في كتابها الموسوم "SztukaMezopotamii" والمكرس في مجمل فصوله للحديث عن مصادر الفن والحضارة الرافدية، فهي تؤكد على المفهوم التالي : بلاد ما بين النهرين هي جسر طبيعي ممتد بين بلدان حوض المتوسط في الغرب والهضبة الإيرانية في الشرق، وبين جبال أرمينيا والأناضول في الشمال والخليج العربي في الجنوب وقد يسرت له سهولة المواصلات في هذه المنطقة الخالية عمليا من المرتفعات الكبرى والتي يخترقها نهران صالحان للملاحة الاتصال بالشعوب المجاورة دوما، ولكنها شجعت في الوقت ذاته هذه الشعوب للإغارة مرارا على البلاد، فقد نظر الجبليون من زغروس والرحل من البوادي المجاورة بأعين نهمة إلى أرض مابين النهرين . يدون علم الآثار والعلماء الذين نقبوا في المواقع الحضارية العراقية المختلفة وبشكل خاص في مواقع تكوين الحضارة السومرية، أن اكتشافاتهم اللاحقة أفرزت حقائق في غاية الأهمية غيرت جوهر تاريخ العراق القديم أصلحت المقولات والنظريات السابقة التي كانت ترى حسب مفاهيم الإغريق والعبرانيين "أن البلاد التي يطلق عليها اسم بابل وينطق سكانها باللغة السامية هي بوابة الكون أوهي قلعة حضارة العراق القديم" تراجعت تلك المقولات أو النظريات إذا صح التعبير إلى الوراء، وعندما توصلت جهود البحث والتنقيب إلى دخول بوابة حضارة أخرى ومن خلال تحليل رموز الموضوعات والوثائق المكتوبة أضطر علماء الآثار والمعنيون بكتابة تاريخ العراق القديم إلى التسليم بالحقائق الجديدة التي ترى أن البابليون لم يكونوا أول الذين سكنوا بلاد ما بين النهرين ، بل سبقهم قوم أكثر شأنا أطلقوا على أنفسهم اسم السومريون وعلى بلادهم اسم بلاد سومر، ويرى عالم الآثار البارز "كريمر" أن السومريون كانوا يتكلمون لغة مقطعية، لا هي تشبه السامية ولا الهندو أوربية وإليهم يعود الفضل الكبير لا في تأسيس عهد يعتبر من أعظم تلك العهود التي حفلت بها أرض ما بين النهرين، ذاك العهد الذي أبتكر فيه الإنسان الخلق والإبداع والابتكار.

اختراع الكتابة ومفردات أخرى

في القرون التي تلت كانت دورة الحضارة السومرية في صعود متواصل حيث ارتفعت سومر إلى ذرى جديدة من القوة السياسية والثراء الاقتصادي، وأنتجت بعضا من أهم إنجازاتها في الفنون والصنائع والهندسة التذكارية والفكر الديني والأخلاقي والأسطورة والملاحم والترانيم، وفوق كل هذا، عندما أصبحت اللغة السومرية هي اللغة السائدة في البلاد، كما طور السومريون نظاما للكتابة جعلوا منه أداة فعالة في الاتصال وأتخذوا الخطوات الأولى في سبيل اعتماد التعليم الرسمي . وإلى جانب ذلك يعد ظهور فن العمارة الدينية من أهم الشواهد على مستوى الحضارة الرفيع وغنى المستوطنات في ذلك الزمن البعيد ، وأيضا استبدلت القرية بالمدينة ونشأت مبان ضخمة بدلا من المعابد الأولية الصغيرة وتدريجيا نمت حولها المدن ، مثل أوروك ، الوركاء ، أريدو ، لغش ، كيش ، تل أبو شهرين ، تل الأحيمر ، سيبار ، وتل أبو حبة وغيرها من المدن السومرية، يضاف إلى ذلك أن نظام الحياة في سومر وما رافق تلك التقسيمات الإدارية والاجتماعية قد افرز أنماطا من القصص الأسطورية والتي كان مصدرها الخلافات والحروب بين المدن البعيدة، وقد نقلت الروايات المدونة بالكتابة المسمارية السومرية أخبار تلك النزاعات للأجيال اللاحقة مضخمة مشبعة بالأساطير التي تدعم إدعاءات ومزاعم مختلف الأوساط في ممارسة السلطة العليا على الآخرين، كما نجد في حلقات التاريخ السومري ثمة علاقة واضحة تؤكد أن ازدهار البلاد ورفاهيتها استمدتا من الحياة الواهبة ومن عناية الآلهة وظل الإرث السومري قائما واتسع نطاق تأثيره ليشمل كامل بلاد النهرين ويتجاوز حدودها إلى حيث بلغت جحافل الفاتحين "كانت مملكة سومر كثيرا ما تهن قوتها وتفتر نتيجة للحروب المتواصلة التي كانت كثيرا ما تشتبك فيها مدائنها سعيا إلى التفوق والسيطرة . ومع ذلك فالسومريون لم يفرضوا لغتهم على المناطق التي فتحوها، ولم تعد قواعد الكتابة المسمارية لغزا بعد ظهور أجيال عديدة من الباحثين، الذين اهتموا كثيرا بآداب هذه الكتابة" تم التنقيب عن عشرات الألوف من الرقم الطينية المنقوشة بالخط المسماري اهتداء بأقلام القصب المدفونة تحت التربة في المدائن السومرية القديمة وهي الآن محفوظة في المتاحف في جميع أنحاء العالم .

أوروك ، المعرفة والنور

في عام (853) أو بعد واقعة اكتشاف مكتبة "آشور بانيبال" الكبرى في مدينة نينوى، أدرك العلماء أن نظام الكتابة ، وأسلوب النحت النافر والتماثيل المعقدين ، هما نتيجة تطورية الأمد "كان النتاج الأدبي الهائل للعصر في الواقع من صنع جيش جرار من الكتبة، لقد تدرب هؤلاء في مدارس خاصة في الوقت الذي راحو فيه ينفقون أياما مضنية في الكتابة على رقم طينية صغيرة وصل الكثير منها إلينا سالما . واليوم ونحن نبحر نحو أيام التاريخ البعيد لتكوين فكرة عن الثقافة السومرية بفضل غنى وتنوع الكتابة في بلاد ما بين النهرين القديمة ، نجد أن الهدف الذي استحث مخترعي الكتابة الرافديين، والذي تجمع الآراء على أنهم السومريين، لم يكن يتمثل في نقل الأفكار والملاحظات" لقد بدأت الكتابة على هيئة سلسلة من العلامات البكتوغرافية والتي وضع تصاميمها السدنة والكهنة في المعابد وكان الغرض منها استقصاء موارد المعبد وأوجه نشاطه، لذلك كانت تستخدم في مبدأ الأمر، وفي تدوين الشؤون الإدارية البسيطة فقط" . وتجدر الإشارة هنا إلى أن أولى نماذج الكتابة تعود إلى أواخر الألف الرابعة قبل الميلاد في أوروك، وهي بصورة رئيسية تمثل وصولات استلام وشتى أنواع السجلات والوثائق المستخدمة من قبل أدارة المعبد التي سهلت بذلك عملية جمع وتوزيع السلع المادية وكانت تلك الكتابة تتكون من رموز عادية وقد جمعت كافة هذه الكتابات المحفورة على ألواح طينية وجففت فيما بعد وأدت تلك المنطلقات العملية الصرفة إلى تعميم الكتابة وبوشر بإدخال عدد من الابتكارات للتعبير عن المضامين التي يتعذر عرضها برسوم بسيطة ومع أن أسلوب الكتابة بالنقش على الطين الطري لم يكن صالحا بدرجة كافية لعكس الأشكال الحقيقية للأشياء" من النتائج المباشرة التي ترتبت على اختراع الكتابة المسمارية إدخال نظام التعليم السومري وتطويره . وفي مرحلة مبكرة اتخذت الكتابة المحفورة على الحجارة الأشكال ذاتها وجرى تعديلها فيما بعد لتعكس المفاهيم التجريدية والصيغ النحوية "بعد أن تم تجاوز الخطوات الأولى في تطور الكتابة المسمارية، تكونت برامج تدريس كانت تقوم على نسخ - نصوص كتابية - واستذكارها، وكانت هذه النصوص تشتمل على قائمة طويلة من الكلمات والعبارات كان فيها أسماء شجر وحيوان وطير وحشرات وبلدان ومدن وقرى وحجارة ومعادن" . وبمعنى آخر كل ما يستطيع اللسان النطق به، وكان إتقان أسلوب القراءة والكتابة شديد التعقيد يعد نجاحا باهرا ولذلك برع به الكتبة المحترفون وحدهم "ساعدت مقاومة المواد المستخدمة في الكتابة والظروف المناخية الملائمة في بلاد ما ين النهرين على حفظ عشرات الآلاف من الألواح ذات المواضيع المختلفة " .

يـــــــــتبع

MARIA
09-18-2007, 10:39 PM
الثقافة والفنون

ضمن حضارة سومر ظهرت العديد من النصوص القانونية والعلمية والسحرية والدينية، تلك النصوص حظيت بأطول فترة من البقاء وظلت تشكل جزءا حيا من التقاليد لآلاف السنين عند الحديث عن نشاط الكتبة والكهنة العلمي في مجال فقه اللغة "لقد كان الغرض الرئيسي من إنشاء المدرسة السومرية يرمي إلى تدريب جهاز من الكتبة والأمناء، وما لبثت أن أصبحت مركزا للثقافة والتعليم، فقد ازدهر بين جدرانها الباحث والعالم والشاعر. تمت المحافظة على الأدب السومري بفضل الألواح التي تعود إلى عصر مملكة ايسن - لارسا" كان التعليم السومري والإنسان السومري يصطبغان بصبغة عميقة من الحض السيكولوجي على التفوق والظهور وحب الجاه والشهرة وكانوا يكنون نظرة عالية للبشرية في مجموعها". وهكذا نشأت أكبر مجموعة من الكتابات الرافدية بمبادرة من الملك الآشوري "أشور بنيبال" وضمتها مكتبته في نينوى، حيث بقي محفوظ منها ما يزيد عن عشرين آلف رقيم، كان الهدف منها تجميع كامل الإرث الثقافي للعصور السابقة ، لكن النسخ التي أعدت بتوجيهات من الملك في مختلف أرشيفات بابل وآشور لم تشمل بطبيعة الحال كافة الأعمال، بل اقتصرت على تلك التي مثلت أكبر قيمة من وجهة نظر المعاصرين مثمنة من الناحية النفعية، فالروايات المتعلقة بالآلهة وبنشأة العالم كانت لها قيمة معرفية، والنصوص السحرية كانت ذات منفعة عملية أما الحكم والأمثال والتأملات في الحياة فقد ساعدت على تنمية فكر الإنسان "كان السومريون أساتذة أنواع عظيمة من الأشكال الأدبية بما في ذلك الملاحم والأساطير والخرافات والأناشيد الملكية والدينية وأناشيد النواح، مثال ذلك عند سقوط مدينتي "أور ونفر" وكذلك مراثي "لودنكرا" بمناسبة وفاة أبيه وزوجته، والكتابات التي تمجد الحوادث التاريخية والنذور وتشريعات القوانين، كشريعة أورنمو وصيغ العبادة والطقوس الدينية وكتب الأمثال" .

السومريون رفضوا الفكر التجريدي أن كافة الأدبيات الجيدة تمثل قيمة معرفية ، وقد اقتصر الباحثون على الاهتمام بهذه الأعمال وحدها وهي المعروفة على نطاق واسع، وقد وجد في مكتبة "أشور بنيبال" ما يزيد عن ثلاثمائة رقيم من شتى نماذج المعرفة، وحوالي مائتي قاموس ومائة من نصوص الصلوات وحوالي مائة رقيم تحوي أدعية وتعاويذ بينما لا يتجاوز عدد النصوص التي كنا سنضعها في عدد الآداب الأربعين. ولكن لابد لنا من الآخذ بنظر الاعتبار بأننا أمام ثقافة ذات نظام مختلف جذريا عن نظامنا، فلنحاول أذن فهم الناس الذين كانت العرافة والأدعية والتعاويذ تستحوذ على اهتمامهم اكثر من أي شيء آخر، ولنحاول أيضا ولوج هذا العالم الغريب، تقدم لنا الابتهالات والأناشيد والصلوات السومرية والآكادية ، معلومات عن فيالق لا تحصى من الآلهة ذوي الخصائص والوظائف المتباينة وبروايات مختلفة ومتناقضة أيضا في تفاصيلها وهي تتحدث عن نشأت العالم وأعمال الآلهة والأبطال الأسطوريين . كانت المعابد السومرية القديمة أهم بناء في المدينة وأعلاها وهي توجه مجمل الحياة الاقتصادية للسكان ولذلك لجأ الكهنة للبحث عن وسائل لتثبيت مختلف المعطيات والتمكن من ممارسة الرقابة بصورة فعالة وكانت المدينة بأكملها تعود ملكيتها إلى كبير الآلهة الذي خصت به يوم خلق العالم، اعتقد سكان بلاد ما بين النهرين القدماء بتجانس الواقع الموضوعي كحقيقة لا يرقى لها الشك فالآلهة والبشر والكائنات الحية والأشياء الجامدة والأسماء الموجودة في اللغة لا تشكل مقولات وإنما أجزاء من العالم ذاته، ولا وجود للفصل ما بين المادة والروح ، وتؤدي هذه الوحدة إلى قيام علاقة نسبية بين جميع الأشياء ويجب البحث عنها في الظواهر وفي تنوعها اللامحدود وذلك بالمراقبة الدقيقة والمتمعنة للحقائق وتصنيفها في ترتيب منطقي، وتعد هذه الطريقة في الاستدلال والبحث صحيحة لكل مجتمع بشري حاول العثور على وسائل عمل ناجعة في عالم مجهول، ولم تكن طرائق الفكر في العصور الحديثة مختلفة عنها، فهي أيضا بحثت عن العلاقات الحتمية بين النتائج والأسباب، تقصت الحقائق وصنفتها كما أنها استطاعت عبر التعميم أن تميز الخصائص الجوهرية عن العرضية، وفي هذه النقطة يكمن الفرق الأساسي، لم يعرف السومريون وخلفائهم الفكر التجريدي وإنما الفكر العيني، ووضعوا نصب أعينهم قضية التكهن بالمستقبل ولهذا الغرض تكرس كامل نظام التفكير، لأن معرفة المستقبل بدت ضرورية أكثر من دراسة وتفسير ما حدث ولا مجال لتغييره ، حيث يكون المستقبل مقررا مسبقا، ففي مطلع كل عام يقرر الآلهة مصائر المجتمعات والأفراد، ومن هنا تأتي ضرورة السعي لمعرفة نوايا الآلهة من خلال تحذيراتهم المتنوعة، لأن إمكانية التأثير على مجرى الأحداث كانت متوفرة ولو جزئيا ولم تقتصر هذه الإمكانية على الصلوات والتوسلات إلى الآلهة فحسب بل تجاوزتها لتمتد إلى كافة أنواع الأنشطة السحرية، وكان لهذه الأخيرة أن تعطي النتائج المرجوة في حال الممارسة الصحيحة، تعتمد كافة أنواع السحر باختصار على فكرة قدرة بعض الأنشطة على شل تأثير القوى المعادية أو غير الصديقة وتساعد المريض بنفس الأسلوب وعلى نفس الأساس الذي يفعله الدواء..





[size=6]أعظم الأساطير والملاحم الإنسانية

المقدمة الأولى : جلجامش ؛ تطابق الرؤيا السومرية مع الحلم المعاصر

الملحمة السومرية الخالدة "جلجامش" أول عمل أدبي مكتمل يكشف عن تفاصيل حضارة راقية، عندما رفع الستار عن حوادثها وفصولها وقيمها الفكرية والوعظية ، تجاوزت حدود "سومر" إلى فضاءات قريبة وبعيدة ، إعصار مهذب موشى بحلم الخلاص من الكابوس المرعب ، ينتشر في المدن والحيوات الأخرى ، حلما سرمديا لا تشبع منه العقول يعاد ويعاد والتآويل تتوالى، وعندما ضربت أمواج ذاك الحلم السومري العراقي الجميل شطآن العالم المعاصر، استفزت البشرية ورأت ضآلتها أمام بوابات ذاك الحلم الجلجامشي الذي صار مدخلا وسراجا لفهم تفاصيل تلك الحضارة التي سادت في أوروك ثم بادت وتركت المعاني الكبيرة ، هذا الأثر الأدبي المهم يتواجد في أغلب مكتبات العالم المخصصة للمطالعة، كما يحتل مكانا مرموقا لدى الأدباء والشعراء، وكذلك جمهرة المهتمين بدراسة الحضارات القديمة والآثار، ولكونه من النفائس ترجم إلى أغلب اللغات التي تتداولها شعوب الأرض، البعض يضع هذه الملحمة بذات المكانة للكتب السماوية، ملحمة الينابيع العذبة تجاوزت صدأ الأرض والقلوب وظلت كما أراد لها السومريون تشحن العقول بطاقات الحلم والأمل والبطولة، تجاوزت حدود الزمن وعبرت المفازات وظلت حية في أروقة الجامعات وعلى مقاعد الدراسة، نقطة دالة أو وشم كبير في جبين حضارة كانت هي البئر الأولى التي فاض ماءها على أديم الأرض حتى صار طوفانا رافق "أوتونابشتم" وبين الطوفان واستمرار الحياة إلى ما لا نهاية تكمن معادلة ملحمة جلجامش الذي لا يمثل ملكا سومريا فحسب بل هو شعاع يدق أبواب المستقبل لكي يحل المشكل الإنساني المستعصي و يمنحنا الخلود الأبدي ..

عقد المقارنات بهدف التشويش والتقليل من دلالات ومنجزات الحضارة السومرية

عمد بعض الكتاب العرب إلى مقارنة تلك الملحمة الأصيلة مع ملاحم وأساطير منقولة عنها وتحاول محاكاتها مع بعض التغييرات، أولئك الكتاب العرب المدفوعون إلى فعلهم بدوافع كثيرة لاتخرج عن هدف لئيم وحقير في أحسن حالات الوصف إذا قرأت كتبهم تكتشف جهلهم بمجرد الإطلاع على أسماء القادة والملوك والمواقع التابعة للحضارة الرافدية والمدونة خطأ لديهم تتغير الأسماء والمعاني والمواقع والتفاصيل ، تلك الأفاعي استغلت حالة الفوضى التي يمر بها العراق ، وقد تيقنت أن الحكومة التي ضبطت متلبسة ببيع الألواح والتماثيل واللقى الأثرية لا يعنيها في شيء تزييف مفردات الحضارة السومرية ، وفي مقالات لاحقة سأتناول تلك الكتب وأكشف نوايا أولئك الصغار الذين يحاولون النيل من حضارة بلادنا العظيمة، ومع آني مطمئن تماما إلى عدم وجود أسطورة أو ملحمة تنافس جلجامش أو هي تشكل مصدرا اعتمدته المضامين والتشكيلات الصورية المرتبطة بالقوة والعنفوان والهدف النبيل ، أتوقف عند ذاك الذي يثار حاليا وأدخل ساحة المقارنة معتمدا على دراسة كل تلك الأساطير التي جاءت بعد جلجامش واستند إلى مصادرها وليس إلى تلك الكتابات الباهتة التي تروجها عقول مؤدلجة لغايات رخيصة، وسنرى الفروق بين جلجامش وثيسيوس أو أخيل أو هرقل أوذو القرنين أو برومثيوس ..

يـــــــــــــــتبع

MARIA
09-18-2007, 10:41 PM
جلجامش السومري
يرى عالم الحضارة الرافدية الأستاذ "طه باقر" في كتابه الموسوم "تاريخ العراق القديم" أن مدينة "سومر" هي أول مدينة حقيقية في التاريخ، ويثبت العالم الأمريكي "صموئيل نوح كريمر" في كتابه الموسوم "من ألواح سومر" أن تنقيب البعثات الأثرية في وادي الرافدين أكد بوضوح لا يقبل الشك من خلال التكوينات الأركيولوجية ، أن أوروك كانت أكبر المدن السومرية في الفترة الزمنية التي تعرف "بعصر السلالات"، ويضيف العالم "الكسندر هايدل" في كتابه "ملحمة جلجامش" أوروك هي أعرق مدينة في أرقى حضارة مدينيه وصلت قمة ازدهارها ويصف الدكتور سلطان محيسن في كتابه "عصور ما قبل التاريخ" الصادر عن جامعة دمشق: أن أريدو بلغت في نهاية فترة "تل العبيد" حجما كبيرا بمقياس ذلك العصر، حيث نافت مساحتها عن العشرة هكتارات ووصل عدد سكانها إلى أربعة آلاف نسمة، وهذا أكبر تجمع سكاني حققت